محمد جمال الدين القاسمي

147

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

كما قال مقاتل ، وهو الأنسب بسياق النظم الكريم ، وسياقه لا يقتضي اختصاصه بكفرهم ، بل يكفي اندراجه فيه قطعا . بل لا وجه له أصلا . لاقتضائه جواز مغفرة ما دون كفرهم في الشدة من أنواع الكفر . أي لا يغفر الكفر لمن اتصف به بلا توبة وإيمان . لأن الحكمة التشريعية مقتضية لسد باب الكفر . وجواز مغفرته بلا إيمان مما يؤدي إلى فتحه . ولأن ظلمات الكفر والمعاصي إنما يسترها نور الإيمان . فمن لم يكن له إيمان لم يغفر له شيء من الكفر والمعاصي . انتهى . قال الشهاب : الشرك يكون بمعنى اعتقاد أن للّه شريكا ، وبمعنى الكفر مطلقا ، وهو المراد هنا . وقد صرح به في قوله تعالى في سورة ( البينة ) بقوله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها [ البينة : 6 ] . فلا يبقى شبهة في عمومه . انتهى . وقال الرازيّ : هذه الآية دالة على أن اليهوديّ يسمى مشركا ، في عرف الشرع . ويدل عليه وجهان : الأول - أن الآية دالة على أن ما سوى الشرك مغفور . فلو كانت اليهودية مغايرة للشرك لوجب أن تكون مغفورة بحكم هذه الآية . وبالإجماع هي غير مغفورة . فدل على أنها داخلة تحت اسم الشرك . الثاني - إن اتصال هذه الآية بما قبلها ، إنما كان لأنها تتضمن تهديد اليهود . فلو لا أن اليهودية داخلة تحت اسم الشرك ، وإلا لم يكن الأمر كذلك . فإن قيل : قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا . . . إلى قوله : وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا [ الحج : 17 ] . فعطف المشرك على اليهوديّ ، وذلك يقتضي المغايرة - قلنا المغايرة حاصلة بسبب المفهوم اللغويّ . والاتحاد حاصل بسبب المفهوم الشرعيّ . ولا بد من المصير إلا ما ذكرناه ، دفعا للتناقض . انتهى . لطيفة : قال أبو البقاء : الشرك أنواع : شرك الاستقلال وهو إثبات إلهين مستقلين . كشرك المجوس . وشرك التبعيض ، وهو تركيب الإله من آلهة كشرك النصارى . وشرك التقريب ، وهو عبادة غير اللّه ليقرب إلى اللّه زلفى ، كشرك متقدمي الجاهلية . وشرك التقليد ، وهو عبادة غير اللّه تبعا للغير . كشرك متأخري الجاهلية . وشرك الأسباب . وهو إسناد التأثير للأسباب العادية ، كشرك الفلاسفة والطبائعيين ومن تبعهم على ذلك . وشرك الأغراض ، وهو العمل لغير اللّه . فحكم الأربعة الأولى الكفر بإجماع . وحكم السادس المعصية من غير كفر بإجماع . وحكم الخامس التفصيل . فمن قال في الأسباب العادية إنها تؤثر بطبعها فقد حكى الإجماع على كفره . ومن قال إنها